ابو القاسم عبد الكريم القشيري

6

نحو القلوب

السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا وإخواننا لسعيت إليه « 4 » ، لأن موضوعه يدور حول النفوس والقلوب والأرواح : تصفية ، وتهذيبا ، وسلوكا ، ومناجاة ، ومشاهدة . ومن عرف نفسه عرف ربه . فالتصوف لباب الشريعة ومنهاج الطريقة وجماع علوم الدين ، وهو متصل بالله ، وقائم به وله ، وسمى الغزالي التصوف ( العلم الأعلى الأشرف ) وقد أشار الرسول صلّى اللّه عليه وسلم في حديثه إلى تدرجه حيث قال : « أعوذ بعفوك من عقابك » فهذه ملاحظة الفعل . ثم قال : « وأعوذ برضاك من سخطك » وهذه ملاحظة الصفات ، ثم قال : « وأعوذ بك منك » وهذه ملاحظة الذات ، فلم يزل يترقى إلى القرب درجة بعد درجة ، ثم عند النهاية اعترف بالعجز فقال : « لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » « 5 » . - 2 - [ وإذا كان التصوف كذلك . . . ] وإذا كان التصوف كذلك فلا يؤخذ من الأوراق ومطالعة الكتب ، وإنما يؤخذ من أهل الأذواق ، والوجدان ، والتحقيق ، والعرفان ، فلا يكون الإنسان صوفيا حتى يعلم ، ولا يكون عارفا بالله حتى يعمل ، ولا يكون قريبا منه حتى يصبح ذا حال إيماني وخلق رباني ، فمبناه : علم ثم عمل ثم حال « 6 » . وذلك مصداق قوله صلّى اللّه عليه وسلم « من عمل بما علم ، رزقه الله علم ما لم يعلم ، ووفقه فيما يعمل حتى يستوجب الجنة ، ومن لم يعمل بما يعلم ، تاه فيما يعلم ، ولم يوفق فيما يعمل حتى يستوجب النار » . والصوفي بهذا المعنى يتجاوز حياته ليرى ( الله ) في كل شئ في : الزهرة والبسمة ، والومضة والظلمة ، والخوف والرجاء ، والأرض والسماء . قال محمد بن واسع : ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله فيه !

--> ( 4 ) الرسالة القشيرية 734 تحقيق د / عبد الحليم محمود ( 5 ) جواهر القرآن للغزالي 24 ط 2 . الرحمانية بمصر . ( 6 ) ص 23 المدخل إلى التصوف الإسلامي . السيد الفيضى . ط الدار القومية - مصر .